لجان التحقيق… حين يصبح المحقّق هو المتَّهَم

في بلدٍ يشهد خلال السنوات الأخيرة وتيرة عمل حكوميّة متسارعة وإنجازات ملموسة في عدة قطاعات خدمية وتنموية، يطلّ علينا بعض نواب المعارضة بمقترح تشكيل لجنة تحقيق برلمانية جديدة، واسعة العناوين، فضفاضة الملفات، تبدأ من “تآزر” ولا تنتهي عند الشهادات الجامعية لموظفي الدولة.
اقتراح يبدو، في ظاهره، انتصارًا للشفافية، لكنه عند التدقيق أقرب إلى استعراض سياسي منه إلى عمل رقابي جاد.
المفارقة الأولى أن من يتصدرون اليوم مشهد “مكافحة الفساد” هم أنفسهم محل تساؤل مشروع لدى الرأي العام: كيف انتقل بعض هؤلاء النواب، في فترة وجيزة، من أوضاع مالية عادية إلى ثراء لافت؟
سؤال يتداوله الشارع بصوت خافت، لكنه غائب تمامًا عن أجندة لجنة تريد التحقيق في كل شيء… إلا في نفسها.
وقبل فتح ملفات تسيير برامج “تآزر”، أو صفقات المحروقات، أو مخازن مفوضية الأمن الغذائي، كان الأجدر – أخلاقيًا وسياسيًا – أن يبادر أصحاب المقترح بكشف طوعي لذممهم المالية، وتوضيح مصادر أموالهم، احترامًا لمبدأ الشفافية الذي يرفعونه اليوم شعارًا في وجه الحكومة.
فمكافحة الفساد لا تستقيم بمنطق الانتقائية، ولا تكتسب المصداقية حين يُنصّب بعض النواب أنفسهم أوصياء على النزاهة، بينما تحيط بعوالمهم المالية علامات استفهام كبيرة.
أما من حيث المضمون، فإن جمع ثمانية ملفات سيادية كبرى، تمتد على ست سنوات، في لجنة واحدة من تسعة أشخاص، لا يعكس جدية بقدر ما يعكس رغبة في توسيع دائرة الاتهام وتضخيم العناوين. فالتحقيق البرلماني عمل دقيق، يحتاج إلى تحديد صارم للملفات، وأهداف واضحة، لا إلى لائحة فضفاضة تُستخدم للاستهلاك السياسي والإعلامي.
كما أن الحديث المتكرر عن “انتشار الفساد” دون تقديم وقائع محددة أو أدلة موثقة، يُفرغ الخطاب الرقابي من محتواه، ويحوّله إلى أداة ضغط سياسي تُستَحضَر عند اللزوم وتُهمَل عند تقاطع المصالح.
الرقابة البرلمانية حق دستوري لا جدال فيه، لكنها تفقد قيمتها حين تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات، أو إلى منصة خطابية لا تُفضي إلى نتائج عملية، بل تُربك العمل الحكومي وتشوّش على جهود الإصلاح الجارية.
وخلاصة القول: لا معنى للجنة تحقيق لا تبدأ بالتحقيق في أصحابها.
ومن أراد أن يقنع الموريتانيين بصدق نواياه في محاربة الفساد، فليكن أول من يقدّم كشفًا شفافًا بمصادر ثروته، قبل أن يطالب بتفتيش دفاتر الآخرين

المختار اعبيد المدير الناشر لمؤسسة الخبراليوم الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً