نخبةٌ تخاف الفشل… وطنٌ يتأخر عن النهوض.

إنَّ الخوف من الفشل ليس مجرّد شعور عابر، بل هو قيدٌ ثقيل يُكبِّل الإرادة ويُطفئ جذوة المبادرة. فحين يتحوّل الفشل في وعينا إلى وصمةٍ اجتماعية لا تُغتفر، يصبح الحذرُ المبالغ فيه فضيلةً زائفة، ويغدو الجمودُ حكمةً مزعومة، وتُختزل الحياة في دائرةٍ ضيّقة من الأمان الوهمي.
لا معرفة بلا مجازفة، ولا تجربة بلا خطأ، ولا نهضة بلا أثمان. هكذا تعلّم الإنسان منذ أن خطا أولى خطواته في دروب الاكتشاف. كل فكرة عظيمة وُلدت من رحم الشك، وكل إصلاح حقيقي بدأ بمحاولة قد يراها الناس مغامرة. إن الفشل ليس نقيض النجاح، بل هو أحد وجوهه؛ محطةٌ ضرورية في طريق النضج، وامتحانٌ لإرادة الاستمرار.
غير أنَّ المعضلة عندنا – في فضائنا الوطني – أن الخوف من الفشل لم يعد مسألة فردية، بل أصبح ثقافةً تتسرّب إلى سلوك النخبة، فتُنتج خطابًا محافظًا حدَّ التكلّس، وحساباتٍ دقيقة حدَّ الشلل. نخبتنا الموريتانية – إلا من رحم ربك – كثيرًا ما تتردّد قبل أن تُبادر، وتتحفّظ قبل أن تُجرّب، وتُؤجّل قبل أن تُقدِم. والنتيجة أن الأفكار تتآكل في الأدراج، والمشاريع تموت في مهدها، والفرص تضيع في زحام التوجّس.
في السياسة، نخشى الإصلاح الجريء مخافةَ أن يُحسب علينا خطأ.
في الإدارة، نفضّل السير في المألوف ولو كان عقيماً، على المغامرة بخطوة جديدة قد تُثمر.
في الفكر والثقافة، نتردّد في مراجعة المسلّمات، لأن كلفة النقد أعلى من كلفة الصمت.
وهكذا ندفع الثمن مضاعفًا: لا نحن حافظنا على واقعٍ مستقرٍّ مزدهر، ولا نحن امتلكنا شجاعة التغيير. فالخوف من الفشل، حين يسيطر على النخبة، يتحوّل إلى خوفٍ جماعي يُقعِد الأمة بأسرها.
إن الأمم لا تتقدّم برجالٍ يخافون الخطأ، بل برجالٍ يعرفون أن الخطأ جزءٌ من الطريق. التجارب الكبرى في العالم لم تُبنَ على الضمانات المطلقة، بل على الثقة بالقدرة على التعلّم من العثرات. أما حين يتحوّل الفشل إلى فضيحة، والمراجعة إلى ضعف، والاعتراف بالقصور إلى سقوطٍ معنوي، فإن النتيجة تكون نخبةً تحسن الخطابة أكثر مما تحسن الفعل.
لسنا بحاجة إلى نخبةٍ لا تخطئ، فهذا وهم. نحن بحاجة إلى نخبةٍ تتعلّم.
نخبةٍ تدرك أن الجرأة المسؤولة أشرف من التردّد المزمن، وأن الاعتراف بالفشل مرحلة من مراحل النجاح، لا نهاية الطريق.
لقد آن الأوان أن نُعيد تعريف الفشل في وعينا الجمعي: أن نراه تجربةً لا جريمة، ودَرْسًا لا وصمة. آن الأوان أن تتحلّى نخبتنا الموريتانية بشجاعة المبادرة، وأن تُدرك أن الجمود أخطر من الخطأ، وأن المستقبل لا ينتظر المتردّدين.
فالمعرفة بحرٌ عميق، ومن أراد أن يبحر فيه، فليقبل باحتمال الموج.
أما من آثر الوقوف على الشاطئ خوفًا من الغرق، فسيظلّ يرى السفن ترحل… ويكتفي بالمشاهدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً