مدرسة تكوين المعلمين… ذاكرة الوفاء ومنارة الأجيال

ولدتُ يوم الاثنين 10 دجمبر 1973 في رحاب مدرسة تكوين المعلمين، ذلك الصرح التربوي العريق الذي ظل عبر عقود من الزمن مصنعاً للأجيال ومشتلاً للكفاءات التي خدمت الوطن في مختلف مجالاته. ولم يكن ارتباطي بهذه المدرسة مجرد ذكرى عابرة، بل هو ارتباط عميق تشكلت فيه حياتي الأولى، لأن والدي، المرحوم بإذن الله إبراهيم ولد محمود ولد سعيد، كان أحد رجالاتها الأوفياء، حيث عمل بواباً فيها سنوات طويلة، لكنه في الحقيقة كان أكثر من مجرد بواب.
لقد كان والدي يرى في المدرسة بيتاً واسعاً يحتضن أبناء الوطن جميعاً. كان يتعامل مع الطلبة والتلاميذ بروح الأب الذي يحرص على أبنائه، يتابع شؤونهم، ويهتم براحتهم، ويشعر بمسؤولية أخلاقية تجاههم. ومن خلال موقعه المتواضع ظاهرياً، ساهم في خدمة مؤسسة تخرج منها الكثير من أطر هذا البلد الذين أصبحوا لاحقاً فاعلين في مختلف مجالات الحياة الوطنية.
ولم يكن هذا العطاء الإنساني مقتصراً عليه وحده، فقد كانت والدتي، رحمها الله، كوريه، بدورها جزءاً من ذاكرة هذه المدرسة ووجدان أبنائها. كانت أماً للجميع بحق. فقد اعتادت أن تبيع للتلاميذ في مدرسة التطبيق “الصاندويش”، لكنها لم تكن مجرد بائعة؛ بل كانت قلباً حانياً على الأطفال. وكما أخبرني معالي الوزير والسفير حسنه ولد بوخريص، فإن الأطفال الذين لم تكن لديهم نقود كانوا يحصلون على “الصاندويش” أيضاً، لأنها لم تكن تقبل أن يبقى طفل جائعاً.
لقد صنعت تلك الروح الإنسانية البسيطة عالماً من التضامن والمحبة داخل أسوار المدرسة، وربما لهذا السبب بقي خريجوها يشعرون بأنهم عائلة واحدة مهما اختلفت مواقعهم ومناصبهم.
وأتذكر هنا بكل اعتزاز بعض خريجي مدرسة التطبيق الذين أكن لهم كل التقدير والاحترام لما ألمسه فيهم من أخلاق ووفاء كلما التقيت بهم، ومن بينهم:
إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، الناها بنت مكناس و أخوتها، أحمد سالم بوحبيني، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، محمد أنويكظ و أخوته ،حيمود ولد رمضان… وغيرهم كثير، فالقائمة تطول. لقد كانوا ولا يزالون إخوة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولم أشعر يوماً بوجود أي فوارق بيني وبينهم، لأن المدرسة التي جمعتنا علمتنا قبل كل شيء قيم المساواة والتآخي.
واليوم، ونحن في هذا الشهر الكريم، تتجدد هذه الذكريات مع زيارة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لهذه المؤسسة العريقة ومشاركته الأسرة التربوية مأدبة الإفطار. إنها لفتة كريمة تعكس الاهتمام الكبير الذي يوليه فخامته للتعليم وللمربين الذين يحملون رسالة بناء الأجيال.
لقد كنت من أوائل من نادى، في منتصف الألفية الثانية، بفكرة المدرسة الجمهورية التي تقوم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن. واليوم نرى هذه الفكرة تتحقق على أرض الواقع بفضل رؤية فخامة رئيس الجمهورية، الذي جعل من المدرسة الجمهورية خياراً استراتيجياً لبناء مستقبل أكثر عدلاً وإشراقاً لأجيال موريتانيا.
كما أن الحكومة، بقيادة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، تبذل جهوداً معتبرة في سبيل إصلاح المنظومة التعليمية، واضعة المعلم في قلب العملية التربوية، باعتباره الركيزة الأساسية لأي نهضة تعليمية حقيقية.
وفي السياق ذاته، يبرز اهتمام معالي وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي بالعمل بشفافية في كل ما يتعلق بشؤون المدرسين، سواء في مجالات التحويلات أو التشجيع والتحفيز، إضافة إلى المبادرات الاجتماعية المهمة مثل صندوق سكن المدرس، التي تسهم في تحسين ظروف المعلم وتعزيز استقراره.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى مدير مدرسة تكوين المعلمين على الجهود الجادة التي يبذلها من أجل تطوير هذه المؤسسة العريقة والارتقاء بها. لقد شهدت المدرسة في السنوات الأخيرة نقلة نوعية واضحة في مختلف المجالات.
وفي هذه الليلة المباركة، لا يسعني إلا أن أتمنى لو كان والداي، رحمهما الله، حاضرين بيننا. فقد كانا يعتبران هذه المدرسة جزءاً من حياتهما، وكان حلمهما أن تظل منارة للعلم والتربية، وأن تحظى بمكانتها اللائقة في مسيرة بناء الوطن.
واليوم، مع حضور فخامة رئيس الجمهورية إلى هذا الصرح التربوي ومشاركته الأسرة التعليمية هذه اللحظة الرمضانية، أشعر بأن جزءاً من ذلك الحلم قد تحقق.
رحم الله والديّ، ورحم كل من خدم هذه المدرسة بإخلاص، ووفق الله كل من يعمل من أجل رفعة التعليم في بلادنا، لأن الأمم إنما تبنى بالعلم، وبالمعلم، وبالمدرسة التي تصنع الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً