حاكم روصو حين ينهض القانون في وجه اقتصاد الظل

روصو مدينةٍ برزخية في ادغال شمامة وتخوم وديان نهر السنغال اعتادت أن تكون معبرًا وحدًّا فاصلًا بين المشروع والمحرَّم، وهي سيجيتها منذ رفع المستعمر عنها الوصاية، فقد ظلت تربة صالحة و ملاذا آمنا لعصابات المخدرات الإجرامية, لكن في وجود السلطات الإدارية الحالية انتفضت هيبة الدولة لتعلن أن زمن التساهل قد ولّى وأن القانون إذا عزم لا يلين هكذا دخل حاكم روصو معركةً مفتوحة مع شبكات مورّدي الخمور والحشيش، معركةً لم تكن عابرة ولا شكلية، بل مواجهة وجودية و مصيرية مع اقتصادٍ خفيٍّ تغذّى طويلًا على الهشاشة الأمن وانسيابةالحدود.
إن هيبة الدولة حين تُستعاد لا يكون التحرك مجرد أوامر إدارية تُكتب وتُنسى، بل فعلٌ ميدانيٌّ صارم يعيد ترتيب المشهد من مداهمات محسوبة، للبؤر الرئيسة مثل معبر مشروع كايا القديم قرب مرفأ كراه كيه وبتيت كيه المؤديان مباشرة إلى كراج نواكسوط نع مصادرات موجعة في كراج نواكسوط طرد الاحانب منه وبنائه على حساب الدولة ثم دخول مزراع امبوريه مثل بومباص الأول والثاني وملاحقات لا تكتفي بالأطراف بل تطال الرؤوس في لحظةٍ فارقة، خلية ملعب رمظان و حي توك اتغير و حي كنلماديك وملعب ثوبان وكراج بجورة وبوتيك يحي خيخ ثم وكر ابراهيم كيتف ثم الانتقال إلى البؤر الجنوب شرقية مزرعة صام صار و مشروع ولد ماينباع و مشرع ارواتم وكير مادكي وبغداد لتنتقل مدينة روصو من كونها نقطة جذب لشبكات التهريب إلى ساحة اختبارٍ حقيقي لصلابة القانون وقدرته على الفعل وسد كل المنافذ المغذية لنشاط اقتصاد الجريمة.
السلطات الإدارية في المدينة كشفت ان المواجهة مع تجارة الخمور والحشيش ليست انحرافًا فرديًا، بل شبكة مصالح متشابكة، تُغري بالمال السهل وتراهن على الصمت والتواطؤ من طرف السلطات الإدارية والمفسدين و النافذين في المدينة غير أن قبضة الحاكم جاءت لتكسر هذه المعادلة، مُعلنةً أن الدولة لا تُدار من خلف الستار، وأن أمن المجتمع خطٌّ أحمر.و ضغطٌ ومقاومة.
فقد واجهت السلطات حملة ضغوطًا متعددة و محاولات تشويه، همسًا وعلنًا، وترهيبًا مقنّعًا، تمثلت في ان الوالي قد يتم تعييه في والاية اخري وآن الحاكم سيرقي إلى والي في مكان آخر فضلًا عن استغلال هشاشة الواقع الاقتصادي لاستدرار التعاطف. لكن الرسالة كانت أوضح من أن تُلتبس لا تنمية مع الجريمة، ولا استقرار مع المسكرات والمخدرات.
وحسب وجهت نظري المتواضعة وكاين للمدينة وسليل احفاد الولاية ان الرؤية لا تكتفي بالعقاب بل على السلطة المحلية الأمنية والادارية أن تعلم ان الحسم الأمني على ضرورته لا يكتمل دون أفقٍ اجتماعيٍّ واقتصادي، فالمعركة الحقيقية هي انتشال الشباب من براثن الاتجار المحرَّم، وفتح مسارات عيشٍ كريم تُغني عن الانزلاق في الظل المخدرات حتي تجعل من المدينة مرآة الوطن.
و من باب العرفان بالحميل فإن ما شهدته اليوم المدينة في ظل السلطات الحالية يتجاوز حدود المدينة ليغدو درسًا وطنيًا في معنى المسؤولية. ففي موريتانيا، حيث تتقاطع الحدود بالتحديات، و يثبت هذا النموذج أن الدولة قادرة متى أرادت على فرض القانون وصون المجتمع دون مساومة.
محمد ورزك محمود الرازكه
أستاذ فلسفة وعلم الاجتماع
الامتياز 2